الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

464

تفسير روح البيان

والحاصل ان لكل من العابدين والعارفين حصة من إشارة هذا في الآية وكان بعض الصلحاء يصلى الضحى مائة ركعة ويقول لهذا خلقنا وبهذا أمرنا يوشك أولياء اللّه ان يكفوا ويحمدوا اى على ما آتاهم اللّه في مقابلة مجاهداتهم وطاعاتهم من الاجر الجزيل والثواب الجميل . وقد ثبت ان كثيرا من الصلحاء تلوا عند النزع قوله تعالى لمثل هذا إلى آخر ما أشير اليه لما شاهده من حيث مقامه فنسأل اللّه القلب السليم في الدنيا والنعيم المقيم في العقبى وللّه تعالى ألطاف لا تحويها الافكار - حكى - ان موسى عليه السلام سأل ربه تعالى من أدنى أهل الجنة منزلة فقال رجل يجيىء بعد ما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول رب وكيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذهم فيقال له أترضى ان يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت يا رب فيقول هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت يا رب قال موسى عليه السلام فمن أعلاهم منزلة فقال أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع اذن ولم يخطر على قلب بشر والكل فوز لكن الفوز بالأعلى فوز عظيم ألا ترى انه لا تستوى الرعية والسلطان في الدنيا فإن كان للرعية عباء فللسلطان قباء وان كان لهم حجرة فله غرفة وان كان لهم كسرة خبز فله ألوان نعمة وهكذا فقد تفاوتت الهمم في الدنيا واختلف الأغراض ولذا تفاوت المراتب في العقبى وتباين الأعواض فمن وجد اللّه تعالى وجد الجنة أيضا بكل ما فيها ولكن ليس كل من يجد الجنة بأسرها يصل إلى اللّه تعالى والانس به والاحتظاظ بلقائه المستغرق جميع الأوقات وشهوده المستوعب لكل الحالات فكن عالي الهمة فان علو الهمة من الايمان وغاية الايمان الإحسان ونهايته الاستغراق في شهود المنان أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الهمزة للتقرير والمراد حمل الكفار على اقرار مدخولها وذلك إشارة إلى نعيم الجنة . وخير وارد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم وانتصاب نزلا على الحالية وهو ما يهيأ من الطعام الحاضر للنازل اى الضيف ومنه إنزال الأجناد لارزاقهم . والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة تكون بتهامة يعرفها المشركون سميت بها الشجرة الموصوفة بقوله انها شجرة إلخ وفي المفردات شجرة الزقوم عبارة عن أطعمة كريهة في النار ومنه استعير زقم فلان وتزقم إذا ابتلع شيأ كريها . والمعنى ان نعم الجنة والرزق المعلوم للمؤمنين فيها خير طعاما يعنى ان الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم اى ثمرها فأيهما خير في كونهما نزلا وفي ذكره دلالة على أن ما ذكره من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يعد ويرفع للنازل ولهم وراء ذلك ما تقصر عنه الافهام وكذلك الزقوم لأهل النار ويقال أصل النزل الفضل والزيادة والريع ومنه قولهم العسل ليس من إنزال الأرض اى من ريعها وما يحصل منها فاستعير للحاصل من الشيء فانتصاب نزلا على التمييز . والمعنى أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير حاصلا أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ محنة وعذابا لهم في الآخرة فان الفتن في اللغة الإحراق أو ابتلاء في الدنيا حيث فتنوا وضلوا عن الحق بسببه فان الفاتن قد يطلق على المضل عن الحق فان الكفار لما سمعوا كون هذه الشجرة في النار فتنوا به في دينهم وتوسلوا به إلى الطعن